فليرس، نورماندي: البلدة الفرنسية الصغيرة التي خاضت فيها أول دبابات في التاريخ الحرب

بعض البلدات تهمس بتاريخها. أما فليرس فتعلنه بصوت عالٍ. انزل من القطار على خط باريس–غرانفيل، وامشِ عشر دقائق باتجاه المركز، وسيكون أول ما يستقبلك قلعة. ليست أطلالًا، وليست معلمًا مسيّجًا للفضوليين، بل قصرًا حقيقيًا يقع في قلب بلدة نورماندية نابضة بالحياة، تحيط به مساحات خضراء وأشجار باسقة وبحيرة صغيرة تجوبها طيور البجع وكأنها تملك المكان.

فليرس من الوجهات التي تكافئ فضول زائرها. إنها صغيرة بما يكفي لعبورها سيرًا في أمسية واحدة، لكنها غنية بطبقات من التاريخ تكفي لإشغال حكّاء لسنوات. عاشت حصارات العصور الوسطى، وازدهرت بفضل صناعة النسيج، وشهدت أول دبابات في تاريخ البشرية تجتاز حقولها، ثم تحطمت في صيف عام 1944، وأعادت بناء نفسها لتصبح واحدة من أكثر البلدات اخضرارًا وثقة هادئة في نورماندي السفلى. هذه هي قصة فليرس، تُروى كما ينبغي.

أين تقع فليرس في فرنسا؟

تقع فليرس في إقليم أورن، ضمن منطقة نورماندي في شمال غرب فرنسا، على بُعد نحو ساعة بالسيارة من كاين ورحلة قطار مريحة من محطة باريس مونبارناس. وهي ثاني أكبر بلدة في إقليم أورن بعد ألونسون، إذ يقطنها نحو خمسة عشر ألف نسمة داخل البلدة نفسها، إضافة إلى أعداد أكبر في الريف المحيط.

تقف البلدة على حافة منطقة البوكاج، تلك الرقعة الكثيفة من السياجات النباتية والحقول الصغيرة التي تطبع جزءًا كبيرًا من الحياة الزراعية النورماندية، وتبعد مسافة قصيرة بالسيارة عن منطقة «سويس نورماند» أو سويسرا النورماندية، حيث تجذب الوديان الغابية والنتوءات الصخرية ومنعطفات الأنهار الملتوية المتنزهين والمتسلقين وممارسي رياضة التجديف طوال الصيف. ويمر نهر فير الصغير عبر فليرس، والريف المحيط بها بلد بساتين تفاح: فعصير التفاح وبومو وكالفادوس ليست هدايا تذكارية للسياح هنا، بل زراعة يومية.

قلعة في وسط البلدة

بدأت فليرس كمستوطنة محصّنة، وما زال قلبها النابض هو القصر. كانت هناك قلعة من العصور الوسطى في الموقع نفسه؛ أما المبنى الذي تراه اليوم فقد تطوّر من قصر سكني يعود إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وأعيد تشكيله عبر القرون، ثم تعرض لأضرار بالغة أثناء معارك عام 1944 قبل أن يُرمَّم في سنوات ما بعد الحرب. وهو يضم اليوم متحف البلدة المصنَّف ضمن متاحف فرنسا، ويحتوي على مجموعات مخصصة للتاريخ المحلي وعلم الآثار والفنون الجميلة.

حول القصر تمتد حديقة تعمل بوصفها الصالة المشتركة لأهل البلدة. فيها بحيرة وحديقة ورود ومنطقة ألعاب وممرات يعبرها العدّاؤون ومَن يمشون مع كلابهم والمراهقون على دراجاتهم طوال اليوم. في الصيف تمتلئ المسطحات الخضراء ببطانيات النزهات؛ وفي الخريف تكتسي الأشجار بلون النحاس وتفوح رائحة الأوراق المبللة في كل مكان. إنها من الحدائق التي تجعل البلدة تشعرك بالكرم.

القماش الذي بنى بلدة

جنت فليرس ثروتها من الخيوط. فمنذ القرن الثامن عشر فصاعدًا أصبحت البلدة مركزًا نسيجيًا مهمًا، بمصانع غزل وورش نسيج تعمل أولًا بطاقة المياه ثم بالبخار لاحقًا. توافد العمال من القرى المحيطة، وتوسعت البلدة في صفوف متراصة من المنازل الحجرية، وبنى نبلاء الصناعة الصغار مساكن فاخرة ومولوا المدارس ودفعوا تكاليف بناء الكنائس.

بحلول القرن العشرين كانت المصانع تعاني في مواجهة منافسة أرخص، فتضاؤلت ببطء الصناعة التي صنعت مجد فليرس. وما تبقى هو شكل البلدة نفسها: المركز المكتظ، والمباني الصناعية التي تحولت إلى ورش وشقق، واعتزاز محلي عنيد بكونها مكانًا يصنع الأشياء.

1916: اليوم الذي خاضت فيه أول دبابات في التاريخ الحرب

هنا تتحول قصة فليرس إلى تاريخ عالمي. فخلال الحرب العالمية الأولى، في 15 سبتمبر/أيلول 1916، هاجمت القوات البريطانية على طول جبهة تمر عبر قريتي فليرس وكورسيليت ضمن هجوم السوم الكبير. وكان معهم سلاح سري لم يُستخدم في معركة من قبل قط: الدبابة.

كانت هذه الآلات، وهي دبابات بريطانية مبكرة من طراز مارك 1، بطيئة وهشة ميكانيكيًا ومرعبة بالقدر نفسه. تعطل معظمها، ودُمرت عدة دبابات، وكانت الأرض التي عبرتها أشبه بسطح قمر مليء بحفر القذائف والأسلاك الشائكة. ومع ذلك عملت بشكل جيد بما يكفي لصدم المدافعين وإثبات أن عصر المركبات المدرعة قد بدأ. وتُذكر هذه المعركة في التاريخ العسكري بوصفها أول هجوم بالدبابات في العالم، وتملك فليرس مكانة في تلك القصة لا تستطيع أي مدينة أكبر أن تدّعيها.

1944: بلدة تحولت إلى ركام

عادت الحرب في صيف عام 1944. فبينما كانت جيوش الحلفاء تشق طريقها عبر نورماندي بعد إنزال 6 يونيو/حزيران، وجدت فليرس نفسها في مسار التقدم. دمّر القصف الجوي والمدفعي جزءًا هائلًا من البلدة؛ وبحلول تحريرها أخيرًا في أغسطس/آب 1944، كان المركز أطلالًا وكان آلاف السكان قد فروا أو فقدوا منازلهم.

تجوّل في الشوارع اليوم وستلاحظ التواريخ المنحوتة فوق المداخل، واللوحات التذكارية على الجدران، والنصب التذكارية للحرب التي تثبّت الساحات الصغيرة. لا تجعل فليرس من جراحها مشهدًا، لكنها لا تخفيها أيضًا. أعادت البلدة بناء نفسها بسرعة وبعناية، مستبدلةً الركام بطرق مشجرة وحدائق، وهذا أحد أسباب أنها تبدو اليوم أكثر اخضرارًا مقارنة بالعديد من جاراتها.

القلب الأخضر لإقليم أورن

اختارت فليرس بعد الحرب الأشجار. فصُفّت الأشجار على جانبي شارع تلو الآخر، وحُميت المساحات الخضراء، وحُوّلت مسارات السكك الحديدية القديمة إلى ممرات للمشي وركوب الدراجات. وأشهرها الممر الأخضر الذي يخرج من البلدة بمحاذاة خط سكة حديد سابق، وهو شريط مستوٍ من الأسفلت والحصى يحمل راكبي الدراجات والعائلات إلى عمق الريف دون أن يلتقوا بسيارة أبدًا.

تعمل حديقة القصر بوصفها نقطة الارتكاز، لكن الحدائق والساحات منتشرة في كل أنحاء البلدة: أماكن للجلوس مع كتاب، ولقاء صديق، والسماح للأطفال بالركض بينما يتجادل الكبار حول كرة القدم. وبالنسبة لبلدة بحجمها، تتمتع فليرس بحياة ثقافية غنية على نحو استثنائي، إذ تضم مسرحًا ومكتبة وسائط ومدرسة موسيقى وروزنامة مهرجانات تُبقي الشوارع نابضة من الربيع إلى الخريف.

الحياة في فليرس اليوم

فليرس الحديثة بلدة خدمات. يخدم مستشفاها منطقة ريفية واسعة، وتستقطب مدارسها وكلياتها طلابًا من عشرات القرى، ويحوّل سوقها الذي يُعقد مرتين أسبوعيًا المركز إلى زحام من الأكشاك التي تبيع الجبن وعصير التفاح والخضروات والمحار والنقانق النورماندية الشهيرة المعروفة باسم أندوي. إداريًا تُعد إحدى ركائز إقليم أورن، وتؤدي دور مركز للريف المحيط بطريقة لا تؤديها المدن الأكبر المجاورة ببساطة.

للرياضة شأن هنا أيضًا. فلكرة القدم وكرة اليد وألعاب القوى وركوب الدراجات والفروسية والسباحة أنديتها الخاصة، وتُتابع المباريات المحلية ضد البلدات المجاورة بشغف حقيقي. وتحتفظ البلدة بعلاقات توأمة مع شركاء في ألمانيا وإنجلترا، وتبقي برامج التبادل الطلابي تدفقًا ثابتًا من الزوار في الاتجاهين.

ماذا ترى وماذا تفعل في فليرس

ابدأ من القصر. فالمتحف في داخله يروي لك القصة العميقة، من عصور ما قبل التاريخ إلى ازدهار النسيج والحربين العالميتين، والحديقة في الخارج تمنحك الهدوء. من هناك، امشِ نحو المركز وارفع بصرك: كنيسة سان جيرمان، التي أُعيد بناؤها في القرن التاسع عشر، تهيمن على الأفق ببرجها، وتحتضن الشوارع المحيطة مزيجًا من المباني نصف الخشبية الباقية وإعادة الإعمار بعد الحرب ومبانٍ حديثة واثقة.

ثم اخرج من البلدة. فمنطقة «سويس نورماند» قريبة بما يكفي لرحلة يوم، وفيها نقاط إطلالة وشواطئ نهرية ومسارات للتجديف وممرات مشي تتسلق عبر غابات الزان. وإلى الغرب تقع منطقة البوكاج ثم الساحل في النهاية، حيث يظل دير مونت سان ميشيل في المتناول خلال يوم طويل من التنزه. وفي كل مكان، في متاجر المزارع وأكشاك السوق، هناك عصير تفاح لتذوقه وجبن لتشتريه ووجبات غداء نورماندية طويلة تؤكل ببطء.

متى تزور فليرس

الربيع وأوائل الصيف فاتنان، حين تكتسي السياجات النباتية بالزهور البيضاء وتكون الحديقة في أبهى نضارتها. ويجلب الخريف موسم قطف التفاح والصباحات الضبابية وأفضل طعام في السنة. أما الشتاء فهادئ ورمادي، لكن البلدة تحافظ على إيقاعها، وهناك شيء مُرضٍ في ساحة سوق في يناير/كانون الثاني، مضاءة بالمصابيح ومليئة بأشخاص يشترون الجبن في البرد.

نقاط عملية: يسهل الوصول إلى فليرس بالقطار من باريس وغرانفيل وكاين، وتتوفر فيها مواقف سيارات كثيرة للسائقين، وهي قاعدة ممتازة لاستكشاف إقليم أورن ومنطقة «سويس نورماند». لست بحاجة إلى أسبوع. ففي يومين أو ثلاثة أيام يمكنك رؤية البلدة كما ينبغي، والسير في الممر الأخضر، ويبقى لديك وقت للقيادة نحو التلال.

لماذا تهم فليرس

نادرًا ما تتصدر أماكن مثل فليرس عناوين الأخبار، ومع ذلك فهي المكان الذي يعيش فيه معظم سكان أوروبا فعلًا. بلدة نجت من ولادة الدبابة ومن دمار عام 1944، وفقدت مصانعها ووجدت هدفًا جديدًا، وأعادت بناء نفسها حول الحدائق والممرات الخضراء بدلًا من الإسمنت والزحام، لديها ما تعلّمه لكل مهتم بكيفية صمود المجتمعات.

لذا في المرة القادمة التي تخطط فيها لرحلة عبر نورماندي، لا تمر سريعًا على الطريق السريع باتجاه الساحل. توقف في فليرس. اصعد الشوارع، واجلس بجانب البحيرة، وتناول شيئًا يحتوي على الكثير من الزبدة، وأصغِ. إنها بلدة صغيرة بذاكرة طويلة جدًا، وما زال لديها حكايات ترويها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *